الشيك في القانون اليمني: أداة وفاءٍ لا أداة ائتمان
يجري العمل عند كثير من المتعاملين على تحرير الشيك بتاريخٍ لاحق، وعدّه وثيقة دَينٍ تُستحقّ في ذلك التاريخ. وقد رتّب القانون التجاري رقم (٣٢) لسنة ١٩٩١م على الشيك حكماً آخر، فجعله أداة وفاءٍ حالّة لا أداة ائتمانٍ مؤجّلة. ويترتّب على هذا الفرق أثرٌ في المواعيد وفي الإثبات وفي المسؤولية الجزائية معاً. أولاً: ما الذي يجعل الصكّ شيكاً حدّدت المادة (٥٢٨) — بصياغتها المعدَّلة بالقانون رقم (٦) لسنة ١٩٩٨م — البيانات التي يشتمل عليها الشيك، وهي: لفظ «شيك» مكتوباً في متن الصك وباللغة التي كُتب بها، وتاريخ ورقم الشيك ومكان إنشائه، واسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه)، واسم من يجب الوفاء له أول مرة، وأمرٌ غير معلّق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود، ومكان الوفاء، وتوقيع من أنشأ الشيك (الساحب). ثم قرّرت المادة (٥٢٩) الجزاء على تخلّف هذه البيانات، فنصّت على أن «الصك الخالي من أحد البيانات المذكورة في المادة السابقة لا يعتبر شيكاً» إلا في حالتين عالجهما النصّ: خلوّه من بيان مكان الإنشاء، فيُعتبر منشأً في المكان المبيّن بجانب اسم الساحب؛ وخلوّه من مكان الوفاء، فالمكان المعيّن بجانب اسم المسحوب عليه يُعتبر مكان وفائه. وأضافت المادة (٥٣٠) قيداً في الجهة المسحوب عليها، إذ نصّت على أن الشيكات الصادرة بالجمهورية اليمنية والمستحقة الوفاء فيها «لا يجوز سحبها إلا على البنك، والصكوك المسحوبة في صورة شيكات على غير بنك لا تعتبر شيكات صحيحة». فمن حرّر ورقةً على غير بنك وسمّاها شيكاً، فله أن يتمسّك بها سنداً عادياً إن توافرت شروطه، وليس له أن يرتّب عليها أحكام الشيك. ثانياً: الشيك مستحقّ الوفاء بمجرد الاطّلاع هذا هو موضع الخلط الأكبر. نصّت المادة (٥٤٩) على أنه «يكون الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه وكل بيان مخالف لذلك يعتبر كأن لم يكن، وإذا قدم الشيك للوفاء قبل اليوم المبين فيه كتاريخ لإصداره وجب وفاؤه في يوم تقديمه». فالعبارة صريحة في أن تأخير التاريخ لا يمنح أجلاً. ومن حرّر شيكاً بتاريخٍ لاحق ظنّاً منه أنه لا يُطالَب به قبل حلوله، فقد بنى على بيانٍ عدّه القانون «كأن لم يكن». ثالثاً: ميعاد تقديم الشيك للوفاء عيّنت المادة (٥٥٠) المواعيد، فأوجبت تقديم الشيك المسحوب في الجمهورية اليمنية والمستحق الوفاء فيها «خلال شهر»، والشيك المسحوب خارجها والمستحق الوفاء فيها «خلال ثلاثة أشهر». وجعلت بدء هذه المواعيد من التاريخ المبيّن في الشيك أنه تاريخ إصداره، واعتبرت تقديمه إلى إحدى غرف المقاصة المعترف بها قانوناً بمثابة تقديمٍ للوفاء. على أن فوات الميعاد لا يُسقط الحق في الوفاء ذاته، فقد أجازت المادة (٥٥٢) للمسحوب عليه «أن يوفي قيمة الشيك ولو بعد انقضاء ميعاد تقديمه». رابعاً: المعارضة في وفاء الشيك وضعت المادة (٥٥٢) قاعدةً مشدَّدة، فنصّت على أنه «لا تقبل المعارضة ولو في وفاء الشيك إلا في حالة ضياعه أو إفلاس حامله»، وجعلت للمحكمة — بناءً على طلب حامل الشيك — أن تأمر برفع المعارضة ولو في حالة قيام دعوى أصلية. فالمعارضة ليست طريقاً مفتوحاً لتعطيل الوفاء كلّما نشأ خلافٌ حول سبب الشيك، وإنما حصرها النصّ في حالتين. خامساً: على مَن يقع عبء الإثبات نصّت المادة (٥٣١) على أنه «لا يجوز إصدار شيك ما لم يكن للساحب لدى المسحوب عليه وقت إنشاء الشيك نقود يستطيع التصرف فيها بموجب شيك طبقاً لاتفاق صريح أو ضمني»، ثم قرّرت في عجزها قاعدةً في الإثبات: «وعلى الساحب دون غيره أن يثبت في حالة الإنكار أن من سحب الشيك كان لديه مقابل وفائه وقت إنشائه، فإذا لم يثبت ذلك كان ضامناً وفاءه». فالعبء هنا على الساحب لا على الحامل، وهذا من أهمّ ما يغيب عن أطراف النزاع. سادساً: المسؤولية الجزائية، وشرطٌ لا يُغفل انتقلت المسألة إلى قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لسنة ١٩٩٤م، فنصّت المادة (٣١١) تحت عنوان «جرائم الشيكات» على معاقبة «من أعطى شيكاً وهو يعلم بأن ليس له مقابل وفاء كافٍ وقابل للتصرف فيه، أو استرد بعد إعطائه كل المقابل أو بعضه بحيث لا يفي بقيمته، أو أمر المسحوب عليه بعدم الدفع، أو تعمد توقيع الشيك بغير التوقيع المعتمد لدى المسحوب عليه»، ومدّت العقوبة ذاتها إلى «من ظهّر لغيره شيكاً أو سلمه لحامله وهو يعلم أن ليس له مقابل يفي بقيمته أو أنه غير قابل للصرف». ثم جاءت الفقرة الأخيرة بقيدٍ لا يجوز إغفاله: «ولا تقع الجريمة إلا إذا لم يسدد الفاعل قيمة الشيك لحائزه خلال أسبوع من تاريخ إعلانه بالسداد». فعلّق النصّ وقوع الجريمة على أمرين معاً: إعلان الساحب بالسداد، ومضيّ أسبوعٍ من تاريخ الإعلان دون سداد. وهذا يعني أن الإعلان إجراءٌ لازم لا تفصيل شكلي، وأن من سدّد خلال الأسبوع فلا جريمة في حقه. الخلاصة الشيك في القانون اليمني ورقةٌ حالّة الوفاء، لا يُؤجَّل بتاريخٍ يُكتب عليه، ولا تُعطَّل بالمعارضة إلا في حالتين، وعبء إثبات وجود المقابل فيه على ساحبه. أما المسؤولية الجزائية فلها طريقها وشرطها، ومن أغفل الإعلان بالسداد فقد أغفل ركناً علّق عليه النصّ وقوع الجريمة. المراجع: القانون التجاري رقم (٣٢) لسنة ١٩٩١م — المواد (٥٢٨) المعدَّلة بالقانون رقم (٦) لسنة ١٩٩٨م، و(٥٢٩) و(٥٣٠) و(٥٣١) و(٥٤٩) و(٥٥٠) و(٥٥٢). قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لسنة ١٩٩٤م — المادة (٣١١).
