درجات التقاضي في اليمن: الفرق بين الحكم الابتدائي والاستئنافي والنقض

درجات التقاضي في اليمن: الفرق بين الحكم الابتدائي والاستئنافي والنقض

بقلم فريق مكتب وليد الكثيري للمحاماة

التقاضي في اليمن على درجتين بالأصل: تنظر المحكمة الابتدائية الدعوى وتحكم فيها، ثم يجوز للمحكوم عليه أن يطعن في حكمها أمام محكمة الاستئناف التي تعيد النظر في موضوع الدعوى من جديد. وبعد ذلك يبقى للخصوم طريق الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، وهو طعن على الحكم من حيث تطبيق القانون لا من حيث إعادة مناقشة الوقائع. وهذا هو الأصل الذي قرّره قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (40) لسنة 2002م، إذ تنص المادة (22) على أن «الأصل في التقاضي أن يكون على درجتين إلا ما استثني بنص القانون». وفهم هذا الترتيب ليس ترفاً نظرياً؛ فكثير من الحقوق تُفقد لا لضعف في أصل الدعوى، بل لأن صاحبها لم يعرف أمام أي جهة يُراجع، أو راجع الجهة الصحيحة بعد فوات ميعاد الطعن. وفي ما يلي بيان كل درجة، وما يُتوقع فيها. أولاً: الدرجة الابتدائية المحكمة الابتدائية هي أول من ينظر الدعوى، وهي المحكمة التي تُقام أمامها الخصومة ابتداءً، وتُقدَّم إليها الوثائق، ويُسمع فيها الشهود، وتُحرَّر فيها المذكرات. وقد نصّت المادة (89) من قانون المرافعات على اختصاص المحاكم الابتدائية بالحكم ابتدائياً في الدعاوى المرفوعة إليها. وفي هذه الدرجة تُبنى القضية أو تُضعَف. فمحكمة الاستئناف والمحكمة العليا تنظران بعد ذلك في ملف قائم بالفعل: ما قُدِّم من مستندات، وما أُثبت في محاضر الجلسات، وما طُلب صراحةً في صحيفة الدعوى ومذكراتها. ولذلك فإن إغفال طلب في أول الأمر، أو ترك واقعة دون إثبات، أو عدم الاعتراض على إجراء في وقته، كل ذلك ينعكس أثره لاحقاً في مراحل الطعن. ثانياً: درجة الاستئناف محكمة الاستئناف — وتُعرف أقسامها بـ«الشُّعَب» — تنظر في الطعن على الحكم الابتدائي. وقد نصّت المادة (88) على أن «تختص محاكم الاستئناف بالحكم في القضايا الاستئنافية التي تُرفع إليها عن الأحكام الصادرة من المحاكم الابتدائية». وخصيصة هذه الدرجة أنها تنظر في موضوع النزاع مرة أخرى، لا في صحة الإجراءات فحسب. فمحكمة الاستئناف يمكن أن تُعيد تقدير الأدلة، وأن تأخذ بما لم تأخذ به المحكمة الابتدائية، وأن تُعدّل الحكم أو تُلغيه أو تُؤيّده. • ليس كل حكم قابلاً للاستئناف قيّد القانون هذا الحق بقيود، منها ما ورد في المادة (86) التي استثنت من الاستئناف أحكاماً بحسب قيمة المحكوم فيه، ومنها: ما لا يتجاوز مائة ألف ريال في المسائل المدنية، وما لا يتجاوز ثلاثمائة ألف ريال في المسائل التجارية، كما وردت في المادة أحكام خاصة بنفقة الزوجة والصغير. وتقدير ما إذا كان الحكم داخلاً في هذا الاستثناء من عدمه مسألة تحتاج مراجعة نص المادة على وقائع القضية بعينها. • مسألة الميعاد الطعن بالاستئناف مقيّد بميعاد يبدأ بحسب الحال من صدور الحكم أو إعلان المحكوم عليه به، وفواته يُسقط الحق في الطعن مهما كان وجه صاحبه قوياً في الموضوع. ولمّا كانت المواعيد تختلف بحسب نوع الحكم وطبيعة الدعوى، وبحسب ما إذا كان الحكم حضورياً أو غيابياً، فإن الاعتماد على رقم عام يُتداول في المجالس محفوف بالخطر. والأسلم عند تسلّم أي حكم أن يُحسب الميعاد على وجه محدّد من واقع الحكم نفسه وتاريخ الإعلان، وأن تُتّخذ إجراءات الطعن قبل نهايته بمدة كافية لا في يومه الأخير. ثالثاً: الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا المحكمة العليا ليست درجة ثالثة تُعاد أمامها المحاكمة. واختصاصها — كما في المادة (87) — «الفصل في الطعن بالنقض أو الإقرار في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية». والنقض في جوهره رقابة على الحكم: هل طبّقت المحكمة القانون تطبيقاً صحيحاً؟ هل أخطأت في تأويل نصٍّ أو في تكييف الواقعة؟ هل أخلّت بإجراء جوهري أو قصّرت في تسبيب حكمها؟ فالطاعن بالنقض لا يُطلب منه أن يُقنع المحكمة بأنه صاحب حق في أصل النزاع، بل أن يُبيّن موضع الخطأ القانوني في الحكم المطعون فيه. ولهذا فإن صحيفة الطعن بالنقض عملٌ فنّي دقيق، يُبنى على نصوص القانون وعلى ما استقرّ عليه قضاء المحكمة العليا، لا على سرد المظلمة. فإذا نُقض الحكم، فإن مصير القضية بعد النقض يختلف: فقد تُعاد إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتنظرها من جديد، وقد يُفصل في الموضوع في الأحوال التي يجيز القانون فيها ذلك. لماذا تُخسر قضايا صحيحة؟ بحكم الممارسة، الأسباب المتكرّرة قليلة ومعروفة: • فوات ميعاد الطعن، وهو أكثرها شيوعاً وأقلّها قابلية للإصلاح. • إثارة دفاع في غير درجته، كمن يُدخل واقعة جديدة أمام المحكمة العليا لم يُثرها من قبل. • ضعف التوثيق، فيُحتجّ بحقّ ثابت في الواقع لا دليل عليه في الملف. • الطعن في حكم غير قابل للطعن، فيُرَدّ شكلاً دون بحث موضوعه. • عدم متابعة الإعلانات والمواعيد، فيصدر الحكم أو يفوت الميعاد وصاحب الشأن لا يعلم. ما ينبغي فعله عند تسلّم حكم ١- الحصول على نسخة الحكم كاملةً، وقراءة منطوقه وأسبابه لا خبرِه المتناقل. ٢- تحديد درجة المحكمة التي أصدرته، وطريق الطعن المتاح عليه. ٣- حساب الميعاد بدقة من تاريخه الصحيح. ٤- عرض الحكم على محامٍ قبل نهاية الميعاد بوقت كافٍ، لتقدير جدوى الطعن وأسبابه. ولا يُغني هذا المقال عن استشارة قانونية في الواقعة بعينها؛ فاختلاف نوع الدعوى ودرجة الحكم وتاريخ إعلانه يُغيّر الجواب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقدّم مكتب وليد الكثيري للمحاماة والاستشارات القانونية خدماته في الترافع أمام مختلف درجات المحاكم، وفي دراسة الأحكام وتقدير أوجه الطعن فيها. للتواصل مع المكتب خلال ساعات العمل: من السبت إلى الخميس، من الساعة 1 ظهراً إلى الساعة 10 مساءً. المرجع النظامي: قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م — المواد (22) و(86) و(87) و(88) و(89).