شراء العقار في القانون اليمني: بين التصديق والتوثيق والتسجيل
يجري في العرف العملي أن يُقال عن المحرر إنه «مصدَّق» أو «موثَّق» أو «مسجَّل» على معنى واحد، وبين هذه الألفاظ في قانون التوثيق رقم (٧) لسنة ٢٠١٠م فروقٌ تترتب عليها آثارٌ مختلفة. وأكثر ما يقع من الخلاف في المعاملات العقارية إنما يقع من هذا الخلط، لا من بطلانٍ في العقد ذاته. أولاً: ثلاث مراحل لا مرحلة واحدة عرّفت المادة (٢) من القانون كل مرحلة على حدة. فـ«التحرير» هو «إنشاء المحرر مباشرة من قبل الموثق أو الأمين وفقاً لأحكام هذا القانون واللائحة». و«التصديق» هو «تأشير الموثق على صحة توقيع الأمين في المحررات المحررة من قبله أو على صحة توقيعات ذوي العلاقة في المحررات العرفية وعلى اعترافهم بمضمونها تمهيداً لتوثيقها». و«التوثيق» هو «تقييد وتدوين الموثق للمحررات في السجلات المعدة لها بعد التصديق عليها واستيفاء الرسوم المقررة وإثبات تاريخ ورقم القيد على المحرر وختمه بخاتم قلم التوثيق». ويُستفاد من هذه التعاريف أن التصديق إنما هو تمهيدٌ للتوثيق لا غايةٌ في نفسه، وأن محلّه التحقق من صحة التوقيع واعتراف أصحابه بمضمون الورقة. أما التوثيق فمحلّه القيد في السجل. فمن خرج بورقةٍ مصدَّقٍ عليها فقد أتمّ المرحلة الأولى، ولم يبلغ بها مرتبة المحرر الموثَّق. ثانياً: حجّية المحرر الموثَّق، وحدّها في العقار قررت المادة (٣١) القاعدة ثم استثنت منها، فنصّت على أنه «تكون للمحررات الموثقة من قبل الموثق حجية المحررات الرسمية ما لم يثبت تزويرها أو بطلانها بالطرق القانونية، أما المحررات الناقلة للملكية العقارية والرهن العقاري فلا تكتسب هذه الحجية إلا بين طرفيها فقط، أما حجيتها أمام الكافة فلا تكون إلا بعد تسجيلها في السجل العقاري». فالنصّ يفرّق بين حجّيتين لا تغني إحداهما عن الأخرى: حجّيةٌ بين المتعاقدين تثبت بالتوثيق، وحجّيةٌ في مواجهة الكافة لا تثبت إلا بالتسجيل في السجل العقاري. ومؤدّى ذلك في العمل أن المحرر الموثَّق وحده يُحتجّ به على طرفيه، فإن نازع منازعٌ من غيرهما مستنداً إلى تسجيلٍ سابق، لم يكن التوثيق وحده دافعاً في مواجهته. وهذا هو موضع الخطر الذي يقع فيه من يظنّ أن ختم قلم التوثيق نهاية الطريق. ثالثاً: واجب الموثّق في التثبّت قبل التوثيق لم يترك المشرّع هذا الأمر لتقدير المتعاقدين، بل أوجبه على الموثّق نفسه. فقد ألزمته المادة (٩) في بندها الثاني بـ«عدم توثيق أي محرر في التصرفات العقارية إلا بعد التأكد من ملكية المتصرف للعقار بأن يكون مسجلاً في السجل العقاري في المناطق التي يوجد بها مكتب للسجل العقاري»، وجعلت أقلام التوثيق بالمحاكم هي المختصة فيما عدا تلك المناطق. فالتثبّت من التسجيل واجبٌ قانوني سابقٌ على التوثيق، ومن سأل عنه قبل الشراء لم يكن متشكّكاً في أمانة بائعه، وإنما طالباً لما أوجبه القانون على الموثّق قبل أن يوجبه على أحدٍ سواه. على أن في عجز هذا البند قيداً يستحقّ النظر: فقد حصر الإلزام بالتسجيل في «المناطق التي يوجد بها مكتب للسجل العقاري»، وجعل الاختصاص فيما عداها لأقلام التوثيق بالمحاكم. وهذا يحسم جهة التوثيق، ولا يحسم ما علّقته المادة (٣١) على التسجيل وحده من حجّيةٍ في مواجهة الكافة. وهي مسألةٌ عملية يكثر ورودها، ويحتمل القول فيها وجوهاً. رابعاً: متى يجب على الموثّق أن يرفض أوجبت المادة (٢٨) على الموثّق رفض التوثيق في أحوالٍ عيّنتها: إذا اتضح عدم توافر الأهلية أو الرضا لدى المتعاقدين، أو إذا جاوز الوكيل حدود وكالته، أو إذا كان المحرر المطلوب توثيقه ظاهره البطلان. وأوجبت عليه عند الرفض إعادة المحرر إلى ذوي العلاقة مع إبداء أسباب الرفض كتابة. ولم يجعل القانون الرفض كلمةً أخيرة، بل جعل له طريقاً. فنصّت المادة (٢٩) على أنه «يحق لأي شخص رفض توثيق محرره أن يتظلم لدى رئيس المحكمة الابتدائية الواقع بدائرتها قلم التوثيق خلال (٣٠) يوماً من تاريخ إبلاغه بالرفض»، وعلى رئيس المحكمة الفصل في التظلم في مدة لا تزيد على (١٥) يوماً من تاريخ تقديمه. فمن رُفض محرره فله ميعادٌ معلوم لا يسع إهماله، ومن أهمله فقد أضاع على نفسه طريقاً فتحه القانون له. خامساً: قيودٌ تحمي الأطراف ومن القيود التي وضعها القانون صيانةً للثقة في المحرر: ما نصّت عليه المادة (١١) من أنه «لا يجوز للموثق أن يحرر أو يوثق محرراً يخصه شخصياً أو يخص من تربطه به صلة قرابة إلى الدرجة الرابعة». وما اشترطته المادة (٢٥) في تحرير المحرر أو توثيقه: ألا يكون مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة، وأن يكون مدوناً باللغة العربية، وأن يكون بخطٍّ واضح بدون شطبٍ أو إضافةٍ أو حشرٍ في متنه إلا إذا أُشير في الهامش إلى سببه أو تصحيحه مع توقيع من قام بتحرير الوثيقة وذوي العلاقة إن كانت الإضافة أو نحوها جوهرية. فالشطب في متن المحرر ليس تفصيلاً شكلياً، وإنما هو مما نصّ القانون على حكمه، ومن ردّ إليه محررٌ فيه حشرٌ أو إضافةٌ غير مؤشَّرٍ عليها فله في النصّ سند. الخلاصة التصديق تحقّقٌ من التوقيع، والتوثيق قيدٌ في السجل، والتسجيل في السجل العقاري هو ما يرفع المحرر العقاري إلى الحجّية في مواجهة الكافة. فمن وقف عند مرحلةٍ وظنّها نهاية، فقد استوفى بعض ما له وترك بعضه. المراجع: قانون التوثيق رقم (٧) لسنة ٢٠١٠م — المواد (٢) و(٩) و(١١) و(٢٥) و(٢٨) و(٢٩) و(٣١).
