مواعيد تقييد الحرية في قانون الإجراءات الجزائية اليمني

مواعيد تقييد الحرية في قانون الإجراءات الجزائية اليمني

بقلم فريق مكتب وليد الكثيري للمحاماة

الأصل في الإنسان الحرية، وتقييدها استثناءٌ لا يقوم إلا بسندٍ من القانون وفي حدود ما رسمه من مواعيد. وقد عُني قانون الإجراءات الجزائية رقم (١٣) لسنة ١٩٩٤م بهذه المواعيد عنايةً ظاهرة، فجعلها متدرّجة، ونصّ على جزاء تجاوزها. وفيما يلي عرضٌ لها مرتّبةً بترتيب وقوعها. أولاً: لحظة القبض وما يثبت فيها من حقوق عرّفت المادة (٧٠) القبض بأنه «ضبط الشخص وإحضاره أمام المحكمة أو النيابة العامة أو مأموري الضبط القضائي في الحالات المنصوص عليها قانوناً»، واشترطت أن يكون بموجب أمرٍ صادر من الآمر بالقبض ممن يملكه قانوناً. وقرّرت المادة (٧٣) للمقبوض عليه حقوقاً أربعة تثبت له فور القبض: أن «يبلغ فوراً كل من قبض عليه بأسباب هذا القبض»، وأن يكون «له حق الاطلاع على أمر القبض»، و«الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع»، و«الاستعانة بمحام». ثم أوجبت إعلانه «على وجه السرعة بالتهمة الموجهة إليه». فهذه الحقوق لا تتوقف على طلبٍ من صاحبها، بل أوجب النصّ إبلاغه بها. وأضافت المادة (٧٧) واجباً على الجهة القابضة: أن «يخطر فوراً من يختاره المقبوض عليه بواقعة القبض عليه»، فإذا تعذّر على المقبوض عليه الاختيار «وجب إبلاغ أقاربه أو من يهمه الأمر». ثانياً: كيف يُعامل المقبوض عليه نصّت المادة (٧١) على أن «يحجز المقبوض عليه في مكان منفصل عن المكان المخصص للمحكوم عليهم ويعامل بوصفه بريئاً، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً للحصول على اعتراف منه أو لأي غرض آخر». فجمع النصّ ثلاثة أحكام: فصل مكان الحجز، وقرينة البراءة في المعاملة، وحظر الإيذاء بدنياً كان أو معنوياً. وعبارة «أو لأي غرض آخر» تمنع الاحتجاج بأن الإيذاء لم يكن لانتزاع اعتراف. وأكّدت المادة (١٨٧) هذا المعنى في موضعه من الحبس، فحظرت تقييد حرية أي إنسان أو حبسه «إلا في الأماكن المخصصة لذلك قانوناً». ثالثاً: الميعاد الأول — أربع وعشرون ساعة هذا أدقّ المواعيد وأكثرها إغفالاً. نصّت المادة (٧٦) على أن «كل من يقبض عليه بصفة مؤقتة بسبب الاشتباه في ارتكابه جريمة يجب أن يقدم إلى القضاء خلال أربع وعشرين ساعة من القبض عليه على الأكثر»، وأوجبت على القاضي أو عضو النيابة العامة أن يبلّغه بأسباب القبض وأن يستجوبه ويمكّنه من إبداء دفاعه واعتراضاته، ثم أوجبت عليه أن «يصدر على الفور أمراً مسبباً بحبسه احتياطياً أو الإفراج عنه». ثم ختمت المادة بقاعدةٍ عامة: «وفي كل الأحوال لا يجوز الاستمرار في الحبس الاحتياطي أكثر من سبعة أيام إلا بأمر قضائي». وفي السياق نفسه نصّت المادة (١٨٩) على أن «الأمر بالحبس الصادر من النيابة العامة لا يكون نافذ المفعول إلا لمدة السبعة الأيام التالية للقبض على المتهم أو تسليمه إليها». فالنيابة العامة لا تملك من الحبس إلا سبعة أيام، وما جاوزها فمردّه إلى القضاء. رابعاً: شروط الحبس الاحتياطي لم يجعل القانون الحبس الاحتياطي أثراً تلقائياً للاتهام، بل قيّده. فنصّت المادة (١٨٤) على أنه «لا يكون إلا بعد استجواب المتهم وفقاً للقانون أو في حالة هربه»، وأن يكون لمصلحة التحقيق أو لمنعه من الهرب أو خشية تأثيره على سير التحقيق، وبعد توفّر شروطٍ عدّدتها: وجود دلائل كافية على اتهامه؛ وأن تكون الواقعة جريمة معاقباً عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر، أو لم يكن للمتهم محل إقامة معروف بالجمهورية متى كانت الجريمة معاقباً عليها بالحبس؛ وأن يكون المتهم قد تجاوز الخامسة عشر من عمره؛ وعدم تحديد هوية المتهم. وأوجبت في عجزها أن «تسمع أقوال المتهم الهارب الذي صدر الأمر بحبسه احتياطياً قبل مضي أربع وعشرين ساعة من وقت القبض عليه». خامساً: مدد المدّ، وحدٌّ أقصى يوجب الإفراج نصّت المادة (١٩٠) على أن النيابة العامة إذا رأت مدّ الحبس وجب عليها قبل انقضاء مدة السبعة الأيام أن تعرض الأوراق على القاضي المختص ليصدر أمره بعد سماع أقوال النيابة العامة والمتهم، وللقاضي مدّ الحبس «لمدة أو لمدد متعاقبة بحيث لا يزيد مجموع مدد الحبس على خمسة وأربعين يوماً». فإن لم ينته التحقيق رغم ذلك، أوجبت المادة (١٩١) عرض الأوراق على محكمة استئناف المحافظة منعقدة في غرفة المداولة، ولها أن تمدّ الحبس «مدداً متعاقبة لا تزيد كل منها على خمسة وأربعين يوماً» أو تفرج عن المتهم بضمانه أو بدونه. ثم وضعت قيدين أعلى من ذلك: يتعيّن عرض الأمر على النائب العام إذا انقضى على حبس المتهم ثلاثة أشهر؛ وأن مدّ المدة لا يتجاوز في مجموعه ستة أشهر، ونصّها: «بحيث لا تزيد مدة الحبس الاحتياطي كلها عن ستة أشهر، ما لم يكن المتهم قد أُعلن بإحالته إلى المحكمة المختصة قبل انتهاء المدة، وإلا وجب حتماً الإفراج عنه». فكلمة «حتماً» هنا موضع النظر: فالإفراج عند بلوغ الحدّ ليس متروكاً لتقدير، وإنما هو واجبٌ ما لم تكن الإحالة قد أُعلنت قبل انتهاء المدة. سادساً: من يراقب تنفيذ هذه المواعيد أوجبت المادة (١٩٢) على كل عضو من أعضاء النيابة العامة زيارة المنشآت العقابية الموجودة في دائرة اختصاصه «والتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية»، وجعلت له الاطلاع على دفاترها وأوامر القبض والحبس وأخذ صورٍ منها، والاتصال بأي محبوس وسماع ما يبديه من شكوى. وقرّرت المادة (١٩٣) لكل من قُيّدت حريته أن يقدّم في أي وقت لمدير المنشأة العقابية شكوى كتابية أو شفهية ويطلب تبليغها للنيابة العامة، وعلى من قُدّمت إليه قبولها وتبليغها «فوراً بعد إثباتها في سجل يُعدّ لذلك». كما أجازت المادة (١٩٤) للنيابة العامة في أي وقت، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب المتهم، أن تأمر بالإفراج عنه بضمانٍ أو بغير ضمان. الخلاصة تقييد الحرية في القانون اليمني مرهونٌ بمواعيد: أربعٌ وعشرون ساعة للعرض على القضاء، وسبعة أيام هي أقصى ما تملكه النيابة العامة، وخمسة وأربعون يوماً بأمر القاضي، ومددٌ متعاقبة بعدها، وعرضٌ على النائب العام عند ثلاثة أشهر، وستة أشهر حدٌّ أقصى يوجب الإفراج حتماً. ومن علم ميعاده علم متى يُطالب به. المراجع: قانون الإجراءات الجزائية رقم (١٣) لسنة ١٩٩٤م — المواد (٧٠) و(٧١) و(٧٣) و(٧٦) و(٧٧) و(١٨٤) و(١٨٧) و(١٨٩) و(١٩٠) و(١٩١) و(١٩٢) و(١٩٣) و(١٩٤).

مواعيد تقييد الحرية في قانون الإجراءات الجزائية اليمني