إثبات الدَّين ومُدَد عدم سماع الدعوى في القانون اليمني
قد يبقى الحقّ ثابتاً في ذمّة المدين ولا تُسمع به الدعوى. عرضٌ لعبء الإثبات وطرقه في قانون الإثبات رقم (٢١) لسنة ١٩٩٢م، وللمُدَد التي قرّر بعدها عدم سماع الدعوى — سنة وثلاث وخمس وثلاثين سنة — ولما يقطعها وما يُستثنى منها.
يسأل كثير من أصحاب الديون: مضى على دَيني سنوات، فهل ضاع؟ والجواب في القانون اليمني يفرّق بين أمرين لا يستويان: بقاء الحقّ في الذمّة، وسماع الدعوى به أمام القضاء. فقد يبقى الحقّ ولا تُسمع الدعوى. وفيما يلي أحكام ذلك في قانون الإثبات رقم (٢١) لسنة ١٩٩٢م.
أولاً: على من يقع عبء الإثبات
قرّرت المادة (٢) القاعدة في توزيع العبء، فنصّت على أن «على الدائن إثبات الحق وعلى المدين إثبات التخلّص منه، وتكون البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر».
فليس على الدائن إلا إثبات نشوء الحق. فإذا أثبته، انتقل العبء إلى المدين ليثبت أنه تخلّص منه بوفاءٍ أو إبراءٍ أو غيرهما. والإنكار المجرّد ليس دفاعاً.
ثانياً: بمَ يُثبَت الحق
عدّدت المادة (١٣) — بصياغتها المعدَّلة بالقانون رقم (٢٠) لسنة ١٩٩٦م — طرق الإثبات، وهي ثمانية:
- شهادة الشهود.
- الإقرار.
- الكتابة.
- اليمين وردّها والنكول عنها.
- القرائن الشرعية والقضائية.
- المعاينة (النظر).
- تقرير.
- استجواب الخصم.
فالكتابة واحدةٌ من ثمانٍ، لا الطريق الوحيد. ومن لم يكن بيده سندٌ مكتوب فله في بقيّة الطرق سبيل.
ثالثاً: مُدَد عدم سماع الدعوى
هذا موضع السؤال. فقد قرّر القانون مُدَداً يمتنع بعدها سماع الدعوى من الحاضر، وتختلف باختلاف الحق:
سنةٌ واحدة — نصّت المادة (٢٢) على أنه لا تُسمع الدعوى من حاضر بعد مضي سنة من تاريخ الاستحقاق في: حقوق التجّار والصنّاع عن أشياء وردّوها لأشخاص لا يتّجرون فيها مع عدم المطالبة؛ وحقوق أصحاب الفنادق والمطاعم عن أجر الإقامة وثمن الطعام وما صرفوه لحساب عملائهم؛ وحقوق العمّال والخدم والأجراء من أجورٍ يومية وغير يومية أو ثمن ما قاموا به من توريدات لمخدوميهم.
وفي المعنى نفسه جعلت المادة (٢١) للمهن مدّة سنة، فلا تُسمع الدعوى من ذي مهنةٍ حاضر — كالطبيب وغيره — بحقٍّ من حقوق مهنته أو مصروفاتٍ تكبّدها في أدائه بعد مضي سنة من وقت أداء العمل.
ثلاث سنوات — نصّت المادة (٢٠) على أنه لا تُسمع الدعوى من حاضر بحقٍّ متجدّد — كأجرة المباني والأراضي — بعد مضي ثلاث سنوات من تاريخ الاستحقاق.
خمس سنوات — وهي القاعدة العامة فيما عدا ذلك. نصّت المادة (٢٣) — بصياغتها المعدَّلة بالقانون رقم (٢٠) لسنة ١٩٩٦م — على أنه «لا تُسمع الدعوى من حاضر بسائر الحقوق التي لا تتعلق بعقار ولم يرد ذكرها في المواد الأربع السابقة بعد مضي خمس سنوات من تاريخ الاستحقاق مع عدم المطالبة».
ثلاثون سنة — وهي مدّة العقار. نصّت المادة (١٨) على أنه لا تُسمع الدعوى من حاضر بحقٍّ في عقار مضى عليه ثلاثون سنة من يوم وضع اليد عليه من شخصٍ يتصرّف تصرّف المالك، بلا مطالبةٍ ولا إقرارٍ ولا مصاهرة، ولا ظروفٍ غير عادية تسود فيها الفوضى أو التغلّب ويتعذّر فيها الوصول إلى الحق. واستثنت الميراث والوقف وما في معناهما، فلا تتحدّد بمدّة.
رابعاً: متى يبدأ الاحتساب
بيّنت المادة (٢٣) ذلك صراحةً، فجعلت الحق «مستحقّ الأداء من يوم ثبوته، ما لم يُضرب له أجلٌ للسداد فلا يُعتبر مستحقاً إلا بعد انقضاء الأجل».
فالدَّين المؤجَّل لا تبدأ مدّته من يوم نشوئه، بل من يوم حلول أجله. ومن حسبها من يوم الاستدانة فقد بدأ من غير مبدئها.
خامساً: «مع عدم المطالبة» — قيدٌ يتكرّر
تكرّرت هذه العبارة في المواد، وهي من أهمّ ما فيها: فالمدّة إنما تمضي مع السكوت. فمن طالب بحقّه — ولديه ما يُثبت مطالبته — لم يكن ساكتاً.
ولهذا كان توثيق المطالبة أنفع ما يصنعه الدائن: كتابٌ مثبت، أو إنذارٌ على يد محضر، أو أيّ ما يصلح دليلاً على أنه لم يسكت.
سادساً: استثناءٌ في عجز النصّ لا يُغفل
ختمت المادة (٢٣) حكمها بقيدٍ مهمّ: أن عدم سماع الدعوى في المواد الأربع السابقة إنما يكون «ما لم يكن هناك قرائن دالّة على صدق المدعي فتُسمع الدعوى تأكيداً لحفظ الحقوق».
فليس انقضاء المدّة باباً مغلقاً بإطلاق. فإن قامت قرائن تدلّ على صدق المدعي، سُمعت دعواه حفظاً للحق. وهذا النصّ هو ما يُغفله كثيرٌ ممن يظنّ أن مضيّ المدّة حكمٌ لا مردّ له.
سابعاً: الغائب لا يسري عليه ما يسري على الحاضر
المواد كلّها تقول «من حاضر». وقد عرّفت المادة (١٨) الغياب تعريفاً ضيّقاً، فجعلت العبرة في اعتبار الشخص غائباً عن البلد «بوجوده خارجها طوال المدّة المقرّرة»، ونصّت على أنه «يُعتبر حاضراً إذا كان متردّداً إليها».
فالمغترب الذي يعود بين الحين والحين يُعدّ حاضراً، ولا ينفعه الاحتجاج بالغياب.
الخلاصة
سنةٌ لحقوق المهن والتجّار والفنادق والأجراء، وثلاثٌ للحقوق المتجدّدة، وخمسٌ لسائر الحقوق، وثلاثون في العقار. وتبدأ من حلول الأجل لا من نشوء الدَّين، ولا تمضي إلا مع السكوت، ولا تُغلق الباب إن قامت قرينةٌ على صدق المدعي. فالمطالبة الموثَّقة خيرٌ من الدعوى المتأخّرة.



