الفصل من الوظيفة العامة: ضماناته في قانون الخدمة المدنية اليمني
الفصل أشدّ العقوبات التأديبية، وقد أحاطه قانون الخدمة المدنية رقم (١٩) لسنة ١٩٩١م بطريقٍ لا يجوز تخطّيه: تحقيقٌ، ثم مجلس تأديب، ثم مصادقة، ثم حقٌّ في اللجوء إلى القضاء. عرضٌ لهذه الضمانات ولحدود التوقيف أثناء التحقيق.
الوظيفة العامة مركزٌ قانوني لا يُنزع بقرارٍ مرسل. وقد رتّب قانون الخدمة المدنية رقم (١٩) لسنة ١٩٩١م للمساءلة التأديبية طريقاً مرسوماً، وجعل الفصل آخر درجاتها، وأحاطه بضماناتٍ تنتهي بحقّ الموظف في اللجوء إلى القضاء. وفيما يلي بيان ذلك.
أولاً: العقوبات التأديبية عشر، والفصل آخرها
عدّدت المادة (١١١) العقوبات التي تُوقَّع على الموظف «حسب جسامة المخالفة بعد إجراء التحقيق»، وهي بالترتيب:
- التنبيه.
- الإنذار.
- الخصم من الراتب الشهري بما لا يتجاوز (٢٠٪).
- تأجيل موعد استحقاق العلاوة السنوية لمدة لا تتجاوز ستة أشهر.
- الحرمان من العلاوة السنوية.
- تأجيل موعد استحقاق الترفيع.
- استرداد كل الخسائر أو بعضها الناجمة عن المخالفة بما لا يتجاوز (٢٠٪) من الراتب الشهري.
- تخفيض الراتب.
- تخفيض الفئة والراتب معاً.
- الفصل من الخدمة مع حفظ الحق في المعاش والمستحقات الأخرى.
وفي آخرها ما يستحقّ الوقوف: فالفصل عند هذا النصّ لا يُسقط حقّ الموظف في المعاش وسائر مستحقاته.
وأهمّ ما في صدر المادة قيدٌ إجرائي: العقوبة لا تُوقَّع إلا **بعد إجراء التحقيق**. فالتحقيق سابقٌ على الجزاء، لا لاحقٌ له.
ثانياً: عقوبةٌ واحدة لا أكثر
نصّت المادة (١١٢) على أنه «لا يجوز توقيع أكثر من عقوبة واحدة من العقوبات المنصوص عليها في المادة (١١١) من هذا القانون عن المخالفة الواحدة التي يرتكبها الموظف».
فمن خُصم من راتبه وحُرم علاوته عن واقعةٍ واحدة، فقد وُقّعت عليه عقوبتان عن مخالفةٍ واحدة.
ثالثاً: من يملك توقيع العقوبة
لم تجعل المادة (١١٣) سلطة العقاب واحدة، بل درّجتها: فالتنبيه والإنذار بقرارٍ من المدير العام للإدارة العامة بناءً على اقتراح الرئيس الأدنى مباشرة؛ ثم تصعد الصلاحية إلى الوكيل، فنائب الوزير، فالوزير المختص، كلّما ثقلت العقوبة.
ثم قرّرت في بندها (د) أن ما وراء ذلك من العقوبات إنما يكون بقرارٍ من الوزير المختص «بناءً على توصية من مجلس التأديب».
فالفصل ليس في يد الرئيس المباشر، ولا في يد الإدارة وحدها.
رابعاً: مجالس التأديب والمصادقة
أنشأ القانون مجلسين:
المجلس التأديبي الأعلى — نصّت عليه المادة (١١٤) للنظر في المخالفات المنسوبة إلى موظفي مجموعة وظائف الإدارة العليا، وجعلت رئاسته لوزير العدل، وعضويته لوزير الخدمة المدنية والإصلاح الإداري، ورئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، ووزير الشئون القانونية، ووزيرٍ يختاره الموظف.
وقرّرت أن قراراته «نافذة بعد مصادقة رئيس مجلس الوزراء عليها، مع احتفاظ الموظف بحقه في اللجوء إلى القضاء المختص في حالة عقوبة الفصل فقط».
المجلس التأديبي العادي — نصّت عليه المادة (١١٥) في كل وحدة إدارية لموظفي المجموعات الوظيفية الأخرى، برئاسة نائب الوزير أو نائب رئيس الوحدة، وعضوية اثنين من موظفي مجموعة الإدارة العليا، وسكرتير النقابة أو من يختاره الموظف.
وقرّرت أن قراراته نافذة بعد مصادقة الوزير المختص أو رئيس الوحدة الإدارية على عقوبات تنزيل الفئة والراتب أو الفصل، «مع احتفاظ الموظف بحقه في اللجوء إلى القضاء المختص في حالة الفصل».
وفي عضوية المجلسين لفتةٌ تستحقّ الذكر: **عضوٌ يختاره الموظف نفسه** في الأعلى، وسكرتير النقابة أو من يختاره الموظف في العادي.
خامساً: حدود توقيف الموظف أثناء التحقيق
هذا موضع إشكالٍ عملي كثير. نصّت المادة (١١٧) على أنه «لا يجوز توقيف الموظف أثناء فترة التحقيق إلا إذا اقتضت مصلحة التحقيق أو العمل ذلك، وبموافقة الوزير المختص أو رئيس الوحدة الإدارية».
ثم ضبطت أثره المالي ومدّته: فالموظف يتقاضى راتبه أثناء التحقيق إذا استمرّ في عمله، «أما إذا تمّ توقيف الموظف فإنه يتقاضى نصف راتبه أثناء فترة التحقيق التي لا يجوز أن تتعدى (٤) أشهر».
وبيّنت متى لا يستحقّ النصف الباقي: إذا كانت العقوبة المتخذة بحقه هي الفصل من الخدمة، أو عقوبة قيد الحرية في جريمة مخلّة بالشرف أو الأمانة. ونصّت على أنه «لا يكون مطالباً في هذه الحالة باسترداد ما صُرف له أثناء فترة التحقيق».
سادساً: إذا كانت المخالفة جريمة
أوجبت المادة (١١٦) على الإدارة أو مجلس التأديب «وقف إجراءات التحقيق وإحالة الموظف إلى النيابة العامة بمعرفة الوزير المختص إذا تبيّن أن المخالفة المنسوبة إلى الموظف تنطوي على جريمة جزائية».
فالمسار التأديبي يقف حين تبدأ المسؤولية الجزائية، ولا يجتمعان في إجراءٍ واحد.
سابعاً: الفصل بين حالات انتهاء الخدمة
عدّدت المادة (١١٨) الحالات التي تنتهي بها خدمة الموظف بقرارٍ من السلطة المختصة بالتعيين: إنهاء الخدمة، والاستقالة، وإلغاء الوظيفة لأسباب تنظيمية أو اقتصادية، والفصل أو العزل.
فلكلٍّ منها سببه وأثره، ولا يصحّ أن يُسمّى الفصل التأديبي «إلغاءً للوظيفة»، ولا أن يُحمل إنهاء الخدمة على العزل.
الخلاصة
للفصل من الوظيفة العامة طريقٌ لا يُختصر: تحقيقٌ يسبق العقوبة، وعقوبةٌ واحدة عن المخالفة الواحدة، وتوصيةٌ من مجلس تأديبٍ فيه عضوٌ يختاره الموظف، ومصادقةٌ من السلطة المختصة، ثم حقٌّ في اللجوء إلى القضاء. ومن نُزعت وظيفته بغير هذا الطريق، فقد نُزعت بغير ما رسمه القانون.



