شرط التحكيم في العقود: متى يُلزم، وما الذي يخرج عنه
تحكيم وتسوية منازعات

شرط التحكيم في العقود: متى يُلزم، وما الذي يخرج عنه

بندٌ صغير في آخر العقد قد يُخرج النزاع كلّه من يد القضاء. عرضٌ لشرط التحكيم في قانون التحكيم اليمني رقم (٢٢) لسنة ١٩٩٢م: شرط كتابته، واستقلاله عن العقد الذي ورد فيه، والمسائل التي لا يصحّ فيها، وأثره على المحكمة التي تُرفع أمامها الدعوى

بقلم فريق مكتب وليد الكثيري للمحاماةقراءة 3 دقائق

يُكتب شرط التحكيم في آخر العقد سطراً أو سطرين، فيمرّ على كثير من المتعاقدين مرور العادة. وأثره أبعد من حجمه: فهو يُخرج النزاع من ولاية القضاء إلى لجنة تحكيم، ويُلزم المحكمة التي تُرفع أمامها الدعوى بأن تُحيل الخصوم إليه. وفيما يلي أحكامه في قانون التحكيم رقم (٢٢) لسنة ١٩٩٢م.

أولاً: الكتابة شرطٌ في الاتفاق لا في إثباته وحده

نصّت المادة (٤) على أن التحكيم «ينعقد بأي لفظ يدل عليه وقبوله من المحكم، ولا يجوز إثبات التحكيم إلا بالكتابة».

ثم جاءت المادة (١٥) — بصياغتها المعدَّلة بالقانون رقم (٣٢) لسنة ١٩٩٧م — أشدّ من ذلك، فنصّت على أنه «لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا بالكتابة سواء قبل قيام الخلاف أو النزاع أو بعد ذلك، وحتى لو كان طرفا التحكيم قد أقاما الدعوى أمام المحكمة، ويكون الاتفاق باطلاً إذا لم يكن مكتوباً ومحدداً به موضوع التحكيم».

فاشترط النصّ أمرين معاً: أن يكون مكتوباً، وأن يكون موضوع التحكيم محدَّداً فيه. فالشرط المرسل الذي لا يُعيّن ما يُحال إلى التحكيم محلُّ نظر.

وقد وسّع النصّ معنى الكتابة، فعدّ الاتفاق مكتوباً «إذا تضمنته وثيقة تحكيم أو برقيات أو خطابات أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة ذات الطابع التوثيقي».

ثانياً: شرط التحكيم مستقلٌّ عن العقد الذي ورد فيه

هذا أدقّ ما في الباب، وأكثره إغفالاً. نصّت المادة (١٦) على أنه يجوز أن يكون اتفاق التحكيم في شكل عقد مستقل (وثيقة تحكيم) أو في شكل بند في عقد (شرط التحكيم)، ثم قالت:

«وفي الحالة الأخيرة يُعامل شرط التحكيم باعتباره اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى، وإذا حُكم ببطلان العقد ذاته أو بفسخه فإنه لا يترتب على ذلك بطلان شرط التحكيم».

ومؤدّى ذلك أن من دفع ببطلان العقد لم يتخلّص بذلك من التحكيم. فبطلان العقد لا يسحب معه شرطه، بل يبقى الشرط قائماً لتفصل فيه لجنة التحكيم. ومن ظنّ أن إبطال العقد يُعيده إلى القضاء فقد بنى على غير أساس.

ثالثاً: ما لا يصحّ فيه التحكيم

حدّدت المادة (٥) المسائل التي «لا يجوز التحكيم فيها»، وهي:

  • الحدود واللعان وفسخ عقود النكاح.
  • رد القضاة ومخاصمتهم.
  • المنازعات المتعلقة بإجراءات التنفيذ جبراً.
  • سائر المسائل التي لا يجوز فيها الصلح.
  • كل ما يتعلق بالنظام العام.

فإن وقع الشرط على مسألةٍ من هذه، لم يُعتدّ به فيها. بل جعلت المادة (٥٥) لمحكمة الاستئناف أن تحكم ببطلان حكم التحكيم «حتى ولو لم يُطلب منها ذلك» في حالتين: إذا صدر الحكم في مسألة لا تقبل التحكيم، وإذا تضمّن الحكم ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام.

رابعاً: أثر الشرط على المحكمة

نصّت المادة (١٩) على أن المحكمة التي تُرفع أمامها دعوى متعلقة بخلافٍ أو نزاعٍ يوجد بشأنه اتفاق تحكيم، عليها «أن تحيل الخصوم إلى التحكيم» — إلا في حالتين:

  • إذا تبيّن للمحكمة أن اتفاق التحكيم باطل أو لاغٍ أو لا يشمل النزاع المطروح أمامها.
  • إذا تابع الطرفان إجراءات التقاضي أمام المحكمة، فيُعتبر اتفاق التحكيم «كأن لم يكن».

والحالة الثانية موضع عناية: فمن تمسّك بشرط التحكيم ثم سار في الخصومة أمام المحكمة، عُدّ متنازلاً عنه بفعله لا بقوله.

خامساً: سقوط الحق في الاعتراض بالسكوت

قرّرت المادة (٩) — بصياغتها المعدَّلة بالقانون رقم (٣٢) لسنة ١٩٩٧م — أن من علم بوقوع مخالفةٍ لأحد أحكام القانون أو لشرطٍ من شروط اتفاق التحكيم، ثم استمرّ في إجراءات التحكيم دون أن يقدّم اعتراضه في الميعاد المتفق عليه أو في أقرب وقت، «سقط حقه في الاعتراض ويُعتبر متنازلاً عنه، ما لم تكن المخالفة على وجهٍ لا يجيزه الشرع».

فالاعتراض يُقدَّم في حينه، ومن أخّره إلى ما بعد صدور الحكم فقد أخّره إلى وقتٍ لا ينفعه فيه.

سادساً: عدد المحكمين

أوجبت المادة (١٧) أن يكون عدد المحكمين وتراً، ونصّت على أنه «إذا تعدّد المحكمون وجب أن يكون عددهم وتراً وإلا كان التحكيم باطلاً» — فيما عدا التحكيم بين الزوجين أو الحالات المتفق عليها.

سابعاً: قوّة حكم التحكيم

قرّرت المادة (٥٦) أن أحكام التحكيم الصادرة طبقاً لهذا القانون «تحوز حجية الأمر المقضي وتكون واجبة النفاذ».

وبيّنت المادة (٥٧) متى يصير الحكم نهائياً قابلاً للتنفيذ: بعد انقضاء ميعاد الطعن، أو بعد انقضاء ميعاد رفع دعوى الإبطال دون رفعها، أو بعد صدور حكمٍ فيها بعدم قبولها إن رُفعت.

الخلاصة

شرط التحكيم بندٌ مكتوب، محدَّدٌ موضوعه، مستقلٌّ عن العقد الذي حمله، لا يصحّ فيما استثناه القانون، ويُلزم المحكمة بالإحالة ما لم يتنازل عنه الطرفان بسيرهما في الخصومة. ومن قرأ هذا البند قبل التوقيع، عرف أين يُحسم نزاعه قبل أن ينشأ.

مشاركة:واتسابتيليجرامفيسبوك

اقرأ أيضاً